الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
143
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
ومثّل لها في كلمات الغزالي بتترّس الكفّار بجماعة من أسارى المسلمين لو كففنا عنهم لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام وقتلوا كافّة المسلمين ، ثمّ يقتلون الأسارى أيضاً ، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلماً معصوماً لم يذنب ذنباً ، وهذا لا عهد به في الشرع ، فيجوز لقائل أن يقول : هذا الأسير مقتول على كلّ حال فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع ، فيحكم العقل هنا بوجوب رمي الترس من باب تقديم الأهمّ على المهمّ « 1 » . فيستفاد من هذا المثال أيضاً : أنّ المراد من المصالح المرسلة هي المصالح على مذاق الشرع ، لأنّ المستفاد من مجموع الأحكام الشرعيّة أنّ حفظ كيان الإسلام أهمّ عند الشارع من حفظ النفوس المحترمة . هذا ، ولابدّ هنا من بيان أمرين مغفول عنهما في كلماتهم : أحدهما : إنّ الاستحسان والمصالح المرسلة وإن استعملا في بعض الكلمات في معنى واحد ، ولكن الظاهر أنّ الاستحسان حاصل بمجرّد أن يستحسنه الطبع والفطرة من دون أن يلحظ أنّ فيه مصلحة أو مفسدة ، لأنّ الحسن والقبح في الأفعال كالحسن والقبح في الطبيعة له مبدأ فطري لا حاجة فيه إلى درك المصلحة أو المفسدة ، بينما في المصالح المرسلة الحاكم هو العقل والبرهان لا الطبع والفطرة . ثانيهما : إنّ ما ذكرنا في الاستحسان من تقسيمه إلى القطعي والظنّي يجري هنا أيضاً ، فالمصالح المرسلة أيضاً تارةً يكون حكم العقل بها قطعياً للقطع بوجود المقتضي وفقد المانع ، فتكون حجّة بلا ريب كالمستقلّات العقليّة ، وأخرى يكون ظنّياً فلا دليل على حجّيتها . 2 . الأقوال في المسألة اختلف العامّة في حجّيتها ، وعمدة الأقوال فيها ثلاثة :
--> ( 1 ) . المستصفى من علم الأصول ، ج 1 ، ص 294 و 295